أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
80
شرح مقامات الحريري
وكنّى الملح أبا عون ، لأنه يستعان به على أكل الطعام ، وطعام بلا ملح لا يؤكل ، وقد أشار إلى هذا بقوله : فما مثله من عون . وكنى البقل أبا جميل لأنه يحسّن بحضرته الإدام ويزيّنه ، أو لأنه يذهب الجميل ، وهو ودك اللحم فيخفّ للأكل وقوله : لجمّل أي تجميل ، أليق بالتفسير الأول ، ولا يمتنع من الثاني ؛ وحدث واثلة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أحضروا موائدكم البقل فإنه مطردة للشيطان مع تسمية اللّه تعالى » . أبو الفضل بن مالك : يعجبني البقل على المائدة فإذا رأيت السّكباج نسيت البقل . السكباج : لحم بخلّ ، والسّكّ بالفارسية ، الخلّ ، والباج اللحم ، وسمي السكباج بأمّ القرى لأنه من أجلّ أطعمتهم . * * * وحيّ هل بأمّ القرى ، المذكّرة بكسرى ، ولا تتناس أم جابر ، فكم لها من ذاكر ، وناد أمّ الفرج ، ثم افتك بها ولا حرج ، واختم بأبي رزين ، فهو مسلاة كلّ حزين ، وإن تقرن به أبا العلاء ، تمح اسمك من البخلاء . وإيّاك واستدناء المرجفين ، قبل استقلال حمول البين ، وإذا نزع القوم عن المراس ، وصافحوا أبا إياس ، فأطف عليهم أبا السّرو ، فإنّه عنوان السّرو . * * * وأمّ الشيء : معظمه وجليله ، ومنه أمّ القرآن الحمد للّه ، وأمّ القرى لمكة المشرّفة ، وأمّ الشيء أجلّه ، والقرى : طعام الضيف ، فكأنه قال : عجّل بطعام فاضل يقدّم للضيف . وكسرى ملك الفرس ، وجعلها تذكّرته ، لأنه أوّل من صنعت له ، فاستعملها ، وأمر بإجادة الصنعة في طبخها ، وقيل : إن غيره طبخها واستعملها في زمن كسرى فنسبت إليه . وكنى الجوزابة بأم الفرخ ، وهي خبزة توضع في التنّور ويعلّق عليها طير أو لحم ، فيسيل ودكه فيها ما دامت تطبخ ، فتفرج عنك همّ الإدام فلا تحتاج إليه فهي خبز بإدامه . افتكّ بها ولا حرج ، أي كلها ولا إثم عليك ، وإن كان اللفظ يعطيك معنى آخر ، فالمراد به هذا . وكنى الخبيص أبا رزين لفضله في الطعام وشرفه ورجحان ثمنه ، وجعله آخر ما يؤكل ، والرزين من الرّجال : الكثير الوقار ، وقرن به الفالوذج ، لأنه نوع منه ؛ قال بعض الطفيلية : الحلواء مثل الملك ، يدخل بيتا فيه قوم جلوس ليس فيه متسع لأحد ، فإذا نظروا إلى الملك تضايقوا وأوسعوا له . وكان عبد اللّه بن جدعان سيّدا شريفا في قريش ، فوفد على كسرى وأكل عنده